الغزالي
50
إحياء علوم الدين
طار نومه ، وعظم حذره ، كما قال طاوس إن ذكر جهنم طير نوم العابدين ، وكما حكى أن غلاما بالبصرة اسمه صهيب كان يقوم الليل كله ، فقالت له سيدته إن قيامك بالليل يضر بعملك بالنهار ، فقال إن صهيبا إذا ذكر النار لا يأتيه النوم ، وقيل لغلام آخر وهو يقوم كل الليل ، فقال : إذا ذكرت النار اشتد خوفي ، وإذا ذكرت الجنة اشتد شوقى ، فلا أقدر أن أنام ، وقال ذو النون المصري رحمه الله منع القران بوعده ووعيده مقل العيون بليلها أن تهجعا فهموا عن الملك الجليل كلامه فرقابهم ذلت إليه تخضعا وأنشدوا أيضا : يا طويل الرقاد والغفلات كثرة النوم تورث الحسرات إن في القبر إن نزلت إليه لرقادا يطول بعد الممات ومهادا ممهدا لك فيه بذنوب عملت أو حسنات أأمنت البيات من ملك الموت وكم نال آمنا ببيات وقال ابن المبارك : إذا ما الليل أظلم كابدوه فيسفر عنهم وهم ركوع أطار الخوف نومهم فقاموا وأهل الأمن في الدنيا هجوع الثالث : أن يعرف فضل قيام الليل بسماع الآيات والأخبار والآثار ، حتى يستحكم به رجاؤه وشوقه إلى ثوابه فيهيجه الشوق لطلب المزيد والرغبة في درجات الجنان ، كما حكى أن بعض الصالحين رجع من غزوته ، فمهدت امرأته فراشها وجلست تنتظره ، فدخل المسجد ولم يزل يصلى حتى أصبح فقالت له زوجته كنا ننتظرك مدة ، فلما قدمت صليت إلى الصبح قال والله إني كنت أتفكر في حوراء من حور الجنة طول الليل فنسيت الزوجة والمنزل فقمت طول ليلتي شوقا إليها الرابع : وهو أشرف البواعث الحب لله وقوة الإيمان بأنه في قيامه لا يتكلم بحرف إلا وهو مناج ربه ، وهو مطلع عليه مع مشاهدة ما يخطر بقلبه ، وان تلك الخطرات من الله تعالى خطاب معه فإذا أحب الله تعالى أحب لا محالة الخلوة به ، وتلذذ بالمناجاة ، فتحمله لذة المناجاة بالحبيب على طول القيام ولا ينبغي أن تستبعد هذه اللذة إذ يشهد لها العقل والنقل فأما العقل : فليعتبر حال المحب لشخص بسبب جماله ، أو لملك بسبب إنعامه وأمواله أنه كيف يتلذذ به في الخلوة ومناجاته ، حتى لا يأتيه النوم طول ليله فإن قلت إن الجميل يتلذذ بالنظر إليه ، وإن الله تعالى لا يرى فاعلم أنه لو كان الجميل المحبوب وراء ستر ، أو كان في بيت مظلم ، لكان المحب يتلذذ بمجاورته